الآلوسي

71

تفسير الآلوسي

ولا يخفى أن الأوفق بحديث الجزاء أن يكون المراد بقوله : فعلتها وأنا من الضالين فعلتها مقدماً عليها من غير مبالاة على أن الضلال بمعنى الجهل المفسر بالإقدام من غير مبالاة لكن التزام كون * ( إذاً ) * هنا للجواب والجزاء التزام ما لا يلزم فإن الصحيح الذي قال به الأكثرون أنها قد تتمحض للجواب ، وفي " البحر " أنهم حملوا ما في هذه الآية على ذلك ، وتوجيه كونها للجزاء فيها بما ذكر لا يخلو عن تكلف ، والأظهر عندي معنى ما آثره بعض أفاضل المحققين من أنها ظرف مقطوع عن الإضافة ولا أرى فيه ما يقال سوى أنه معنى لم يذكره أكثر علماء العربية . وهم لم يحيطوا بكل شيء علماً ، وإن أبيت هذا فهي للجواب فقط ، ومن العجيب قول ابن عطية : إنها هنا صلة في الكلام ثم قوله : وكأنها بمعنى حينئذٍ ولو اكتفى به على أنه تفسير معنى لكان له وجه فتأمل ، والله تعالى أعلم . * ( قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ) * * ( قَالَ فرْعَوْنُ ) * مستفهماً عن المرسل سبحانه * ( وَمَا رَبُّ الْعَالَمينَ ) * وتحقيق ذلك على ما قال العلامة الطيبي . أنه عز وجل لما أمرهما بقوله سبحانه : * ( فاتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين ) * ( الشعراء : 16 ) * ( أن أرسل معنا بني إسرائيل ) * ( الشعراء : 17 ) فلا بد أن يكونا ممتثلين مؤديين لتلك الرسالة بعينها عند اللعين فلما أديت عنده اعترض أولاً بقوله : * ( ألم نربك فينا وليداً ) * ( الشعراء : 18 ) إلى آخره وثانياً بقوله : * ( وما رب العالمين ) * ( الشعراء : 23 ) ولذلك جئ بالواو العاطفة وكرر قال للطول فكأنه قال : أأنت الرسول وما رب العالمين ؟ وقال الزمخشري : إن اللعين لما قال له بوابه : إن ههنا من يزعم أنه رسول رب العالمين قال له عند دخوله : وما رب العالمين ؟ واعترض بأنه نظم مختل لسبق المقاولة بينهم كما أشار إليه هو في سابق كلامه . وانتصر له صاحب الكشف فقال : أراد أنه تعالى ذكر مرة * ( فقولا إنا رسولا ربك فأرسل ) * ( طه : 47 ) وأخرى * ( فقولا أنا رسول رب العالمين ) * والقصة واحدة والمجلس واحد فحمله على أن الثاني ما أداه البواب من لسانه عليه السلام والأول ما خاطبه به موسى عليه السلام مشافهة وأن اللعين أخذ أولاً : في الطعن فيه وأن مثله ممن قرف برذائل الأخلاق لا يرشح لمنصب عال فضلاً عما ادعاه ؛ وثانياً : في السؤال عن شأن من ادعى الرسالة عنه استهزاء ، ومن هذا تبين أن سبق المقاولة لا يدل على اختلال النظم الذي أشار إليه انتهى . وجوز بعضهم وقوع الأمر مرتين وأن فرعون سأل أولاً بقوله : * ( فمن ربكما يا موسى ) * ( طه : 49 ) وسأل ثانياً بقوله : * ( وما رب العالمين ) * وقد قص الله تعالى الأول فيما أنزل جل وعلا أولاً وهو سورة طه والثاني فيما أنزله سبحانه ثانياً وهو سورة الشعراء ، فقد روي عن ابن عباس أن سورة طه نزلت ثم الواقعة ثم طسم الشعراء ، وقال آخر : يحتمل أنهما إنما قالا : * ( إنا رسول رب العالمين ) * والاقتصار في سورة طه على ذكر ربوبيته تعالى لفرعون لكفايته فيما هو المقصود ، وعلى القول بوقوع الأمر مرتين قيل : إن فرعون سأل في المرأة الأولى بقوله : * ( من ربكما ) * طلباً للوصف المشخص كما يقتضيه ظاهر الجواب خلافاً للسكاكي في دعواه أنه سؤال عن الجنس كأنه قال : أبشر هو أم ملك أم جني ؟ والجواب من الأسلوب الحكيم وأخرى بما رب العالمين طلباً للماهية والحقيقة انتقالاً لما هو أصعب ليتوصل بذلك إلى بعض أغراضه الفاسدة حسبما قص الله تعالى بعد ، و * ( ما ) * يسئل بها عن الحقيقة مطلقاً سواء كان المسؤول عن حقيقته من أولي العلم أولاً فلا يتوهم أن حق الكلام حينئذٍ أن يقال من رب العالمين ؟ حتى يوجه بأنه لإنكار اللعين له عز وجل عبر بما ، ولما كان السؤال عن الحقيقة مما لا يليق بجنابه جل وعلا . * ( قَالَ رَبُّ السَّمَاواتِ والاَْرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ ) *